• مرحباً بكم في منتديات ولد البحرين الإسلامية بِحُلّته الجديدة

منعني ابي من الحج



بسم الله الرحمـن الرحيم

أبت نفسي إلا أن تضع هذه القصة العابرة بين أيديكم لأحدهم وهو يرويها​
بتفاصيلها، فإليكم بعضا من فصوصها،، على عجل...​
واعذروني إن لم أرد على المداخلات أو بعضها لاشتغالي..​

كنت وقتها في السابعة عشرة من عمري، عندما رأيت أصحابي واحدا تلو الآخر يتسائلـــــون:​
في أي حملة ستذهبون؟ علمت حينها أنهم قرروا السفر لحج بيت لله الحرام، كم اشتاقت نفسي​
لزيارة ذلك المكان الآمن لأداء أعظم المناسك، بادرت بالاتصال بوالدي كوني كنت خارج مدينتي​
وقتها لأستئذنه، فجاء جوابه قارعة على قلبي، فقد رفض لصغر سني وأنه يخشى علي، بكيــــت​
بحرقة ومرارة فقال لي أحدهم: لا حزن فوالدك يخشى عليك حقا، وعى أن ييســـر الله لك زيــــارة​
قريبة، قلت له: وما الذي يضمن لي البقاء للعام القادم فقد أرحل وأنا لم أؤدي فــريضــة الحــــج،​
والآن أجدني قادرا، فقال: اسأل الله التوفيق والله حليم..​


لم يأت العام الذي يليه حتى أسرعت الخطى إلأى أبي الذي كان منهمكا في أعماله وكنت في السنة الجامعية​
الأولى فقلت له: لقد وعجتني أن أذهب هذا العام للحج وأنتظر منك إشارة، رمقني بنظرة أبوية حانية وابتسم​
وقال: لا أخرها للعام القادم، خفق قلبي ودمعت عيناي وأخذت أرجوه، فقال: هل تستطيع أن تتحمـــل وتصبـر​
على العناء؟ فأجبته: نعم بكل تأكيد بعون الله، فقال لي: توكل على الله.. ولا تسلني عن الفـــرحة الغامـــرة التي​
عمت أرجاء قلبي، ركضت مسرعا للاتصال بأحد الأساتذة وأخبرته بالبشارة.​


وطأت قدماي أرض منى فرأيت المشهد الذي اعتدت عليه في التلفاز يلوح أمامي، دخلت الخيمة وكلي فرح وبكاء​
وأنا أستشعر عظمة المقام، لم تطلع شمس التاسع من ذي الحجة إلا ونحن على أهبة الاستعداد ليوم عرفة العظيــم،​
وصلنا لعرفة وأنا أرى الجموع الغفيرة بملابس بيض فتذكرت يوم المحشر، دخلنا خيمتنا وإذا الناس بين ذاكـــر لله​
وباك من خشيته، كان شعورا لا يوصف في روعته وهيبته، شعرت أنني ألفظ أنفاسي وأنا أبتهــل إلى الله، شعـــرت​
بحقارة الدنيا أمام عظمة الله وجلاله، غربت شمس التاسع والكل يبارك للآخر ويحتضنه ويسأل الله له القبول، مشهد​
أخوي قمة في الروعة والجمال، والناس تفيض من عرفات لمزدلفة وهي تكبر الله على ما هداها بصوت واحد ونغمة​
واحدة تدل على الترابط المتين وعظمة الخالق سبحانه.. لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك​
والملك لا شريك لك..​


رأيت هناك المريض الذي يتهادى على رجلين ليطوف، وامرأة مسنة لا تكاد تحملها رجلاها محمولة على الأكتـاف،​
وشيخ يتوكأ على عصاه البالية ليصل أرض الطواف وعيناه تسبلان دمعاً وأسمعه يلهج بدعائه والحمـد لله: اللهــم​
لك الحمد ان بلغتني هذا المكان لأول مرة فتقبل مني، كنت أقول وقتها في نفسي: ربما غلب أحدهم الفقر أو المرض​
أو عدم القدرة على الحصول على التأشيرة للحج، فما هي حجة القادر عند الله في عدم تأدية هذا الركن!!!​

يا الله كم نهمل وتمهلنا، وكم نتباطئ فترحمنا، وكم نتكاسل فتعفو عنا وتعطينا فرصة البقاء لعلنا نقبل إليك متفكرين​
في نعمك متذكرين لأمرك..​

مهما وصفت مشاعري فالحروف تأبى أن تختزلها في كلمات فلن يفهم معناها إلا من ذاق طعم تلك المشاعر المقدسة،​
جاء العام القابل وحن قلبي حنينا للرجوع لأغوص في بحار المعرفة الإلهية، لم أنم تلك الليلة وأنا أتذكر لذة الطاعـة​
والذكر والحج، حتى انبلج الصبح واستأذنت أبي في السفر فاندهش وقال: مع من ستذهب؟ قلت له: وجدت مكانا لـي​
والحملة ستسافر غدا، سألني مندهشا: أنت لم تهيئ نفسك لا يمكن أن تذهب هكذا، قلت له: حقيبــــتي جهزتهــا ليلــة​
البارحة وجوازي وكل شي، فقط أنتظر إذنك، لم يرد بشيء سوى "عسى خير" إيماء بموافقة لكن ليست برضى تام،​
أخذت أتحسر والشوق يعتصرني والألم، فلا أريد أن أحج نافلة وأبي غير راض عني، وكان وقتها يهم بسفر، حمــل​
حقيبته ليخرج، فتبعته للباب وقلت له وعيناي تدمعان وقلبي يشهق: أبي لا أريد أن أسافـر وأنت غيــر راض عنــي،​
فإن كنت راض تمام الرضى فسأذهب، وإن كان في قلبك شيء من ذلك فسأبقى ولن أخالفك، فأشفــق عــلى عبراتي​
فضمني إليه بابتسامة حانية ودمعة لأول مرة أشاهدها في عينيه وقال: توكل على الله والحمد لله أ هداك لحب بيتـــه​
العتيق ومشاعره العظام...​


كدت أطير من الفرحة وانتظرت أمي الغالية التي لم تكن تمانع أبدا فيما أرمي إليه، ورأتني أحمل حقيبة وأنا في قمة​
السعادة وهي متعجبة وقلبها فارغ: إلى أين ذاهب؟ قلت لها لحج بيت الله!!! زادت دهشتها بهذه السرعة قررت ثم من​
أين ستأتي ببطاقة وع من ستذهب وكيف....إلخ، قلت لها: الأمور طيبة يمه لا تحاتي مضبط كل حاجة بس ما أتوقعـك​
ترفضين موقفي يا غلا القلب؟ قالت: بالعكس كم أتمنى أن أصل لذلك المكان مرة أخرى لولا مرضي، الله معك ويحفظك​
الرحمن، انتبه لنفسك جيدا وطمئني عندما تصل، ولا تنس أن تدعو الله لي ولأبيك ولإخوتك جميعا وأن يهدي الله شباب​
المسلمين وبناتهم.. وهذا هو دعاؤها الدائم في جلساتها وخلواتها وصلاتها... احتضنتها وأنا أبكي لفراقها فودعتهـا​
وغادرت في رحلة ربانية تطير بي إلى عالم روحاني في مشهد أشبه بيوم الحشر الأعظم، حيــث تنســـى كـــل متعلقات​
الفانية وتطمع أن تنال من الله الرضون والجنان.​


فإلى من حرم نفسه زيارة البيت العتيق وهو قادر، بادر لنيل السعادة، لا تأبى أن تنال من فيض الله العطاء الأكبر،​
فمن لم يذق حلاوة المشاعر المقدسة ليس كمن جربها وأحس بروعتها ونقائها، بادر قبل أن لا تستطيع، بادر قبل​
أن لا تكون عندك حجة عند الله، كم من قادر تباطئ فافتقر، وكم من مستطيع أخر فأدركه الموت، وكم من صحيــح​
تكاسل فأقعده المرض، وتذكر أن الحج ركن ركين من هذا الدين، وكم من متمن هذا الشرف الكبير لكن حال دونـه​
وبلوغ المكان مرض أو فقر أو أي عارض، أسأل الله أن يبلغهم مناهم..​
ويا الله لا تحرمني وأي مسلم من حج بيتك العظيم، وتقبل منا يا أرحم الراحمين.

دمعت عيناي من القصة اسال الله ان يرزقني و اياكم حجة قبل ان نرحل من هذه الدنيا اللهم امين
منقــــــــــــــــــــــول
 
عودة
أعلى