بسم الله الرحمن الرحيم
الأخوة في الله نعمة منَّ الله على عباده المؤمنين لأنها رابطة يتعذر أن نجد أقوى منها في واقعنا المعاصر، فلا مصلحةَ ولا نفع ماديًّا من ورائها إنما هي لله فقط فهي أخوة بين القلوب والأرواح برباط وثيق لا يمكن فصمه هو رباط العقيدة.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال).
هذه دعوة لتجديد "فقه الأخوة في الله" لنعرفه، ونعمل به على مستوياتِ العمل كلها، باعتباره الوقود الدافع لسفينة العمل الإسلامي، والروح التي لن نستطيع الصمودَ بغيرها أمام تحدياتِ العصر الراهنة.
أعني بـ"فقه الأخوة في الله" كيف يتعامل بعضنا مع بعض، وكيف يفهم بعضنا بعضًا، وكيف يعذر بعضنا بعضًا، وكيف يحب بعضنا بعضًا، بل وكيف يختلف بعضنا مع بعض، تحت مظلةِ الحبِّ في الله؟
إنَّ العمل الإسلامي في حاجةٍ ماسةٍ لهذا الفقه حتى تتوثق أواصر الوحدة بين أفراد الصف الواحد، وحتى لا تضيع جهودنا جميعًا، فالأخوة ليست شعارًا يُرفع ولا كلمات تُردد، ولكنها، عملٌ وفعلٌ وتطبيق، إنها نظام حياة، وتعاون، وتكامل، وتكافل، إنها المرآة التي يرى كل منا فيها نفسه بصراحة، وشفافية ووضوح، إنها اليد التي تغسل الأخرى، إنها التواد، والتعاطف، والتراحم، إنها الجسد الواحد والبنيان المرصوص.
فإذا وصلنا إلى هذا المستوى نكون قد وضعنا أقدامنا على أول طريقِ النصر المأمول، ولنا في المصطفى (صلى الله عليه وسلم) القدوة حين بدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كخطوةٍ أساسيةٍ وأولية بعد ترسيخ العقيدة والإيمان في النفوس.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)﴾ (الحجر).
إنَّ هذه العقيدةَ عجيبة فعلاً إنها حين تُخالط القلوب تلين قاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباطٍ وثيقٍ عميق، فإذا نظرة العين،، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوبُ.
ولقد مَنَّ الله على عباده- وهو يدعوهم للوحدة وعدم الفرقة- بهذه النعمة الكبرى-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران).
هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله به على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمَن يحبهم من عباده دائمًا.
وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصيحون بنعمة الله إخوانًا، تصغر إلى جانبها الأحقاد التاريخية، والثارات القبلية، والأطماع الشخصية، والرايات العنصرية، ويتجمع الصف تحت لواء الله الكبير المتعال.
والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، و"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا"، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: من الآية 71).
منقول