من محاسن النِّعم أن نبلغ رمضان ،
ولكن عظيمها أن نُحسن اغتنامه وُنلبس أيّامه بالهُدى والتُّقى ،
بل ونُحلق بأنفسنا بين أسمى الأخلاق ورفيع الدرجات ،
ولا يكون ذلك إلاّ إن اقتدينا بهدي رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم ..
ولما كان شهر رمضان المبارك من أعظم مواسم الإسلام وأجلّها , ومن أكثر الفرص السانحة أمام العبد
كي يتقرب من خالقه تعالى وينال رضاه بإتباع نبيه صلى الله عليه وسلم كانت الحاجة ماسة للتعرف على
هديه صلى الله عليه وسلم في تسعة رمضانات صامها , في حياة عامرة بالاجتهاد في التعبد والطاعة .
لذلك نُقدّم إليكِ أختي الحبيبة هذا الموضوع المُثمر بإذن الله والذي سننثر فيه من هديه صلى الله عليه وسلم وحاله في رمضان
مستعينين بكتاب [هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلّم في رمضان]
وبعض من أحوال السلف رضي الله عنهم سائلين المولى أن يجعلنا من خير من اتّبع واقتدى .
تذكرة بوجوب اتّباع هدي نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلّم
أمرنا مولانا الكريم عزّ وجلّ بإتّباع نبيه صلى الله عليه وسلم وجعل سبحانه وتعالى ذلك عنواناً لمحبته ودليلاً عليها ،
وأوجب علينا فقال في محكم كتابه العزيز: {وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[سورة الحشر7] {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا}[النساء 80]
.وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك شرط لقبول العمل , وسبيل لدخول الجنة ,
فقال صلى الله عليه وسلّم في هذا الحديث : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . قالوا : يا رسول الله ، ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ) خلاصة حكم المحدث: [صحيح] الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري
لكن لابد أن يكون ذلك الانقياد مقترناً بتعظيم ومبنياً على محبة له صلى الله عليه وسلم فقد جاء في هذا الحديث : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) خلاصة حكم المحدث: صحيح الراوي: أنس بن مالك المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم قال الحافظ ابن رجب " والمحبة الصحيحة تقتضي المتابعة والموافقة حب المحبوبات وبغض المكروهات " .
وسبيل العبد للوصول إلى تحقيق تلك الرتبة الجليلة هو التعرف على هديه صلى الله عليه وسلم والحال التي
كان عليها صلى الله عليه وسلم في شأنه كافة .
وليس بخافٍ على مسلم أن الهدي النبوي هو أكمل وأعظم هدي عرفته البشرية ،
وأنه بمقدار اقتداء العبد بهديه صلى الله عليه وسلم يصعد في سلم الوصول إلى العلا, ويرتقي في رتب الكمال البشري ..
ثمّ إن الله بيّن لنا هذا الأمر بوضوح بالغ في هذه الآية المباركة فقال جلّ في علاه : {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} الأحزاب 21
كان نبي الهدى عليه الصلاة والسلام أعرف الخلق بربه سبحانه ، وأعظمهم قياماً بحقه..
تدرج في سلم الكمال البشري فبلغ مبلغاً يعجز عن فهمه أكثر العالمين، فقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!
ثم هو يقوم من الليل حتى تنتفخ وتتفطر قدماه! فتعجب الصديقة بنت الصديق، فيقول لها: ( أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً ) ،
كان له صلى الله عليه وسلم بكاء المذنبين وأنين العاصين ودعاء المكروبين، قال عبد الله بن الشخير:
(رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي وفي صدره أزير كأزير الرحى من البكاء)،
وحدثت زوجه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأعجب شيء رأته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:
(لما كان ليلة من الليالي قال: يا عائشة ذريني أتعبد لربي، قالت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما سرَّك،
قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته،
قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله،
لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً،
لقد نزلت عليّ الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها{إن في خلق السموات والأرض … }،
إنه كمال القيام بأمر الله عز وجل .
وأحواله مع ربه في رمضان أنموذج حي يصور عبادته صلى الله عليه وسلم وأشكال خضوعه لبارئه ..
فينطق محدِّداً جوانب عدة، أبرزها:
[ صيامه - صلى الله عليه وسلم - لشهر رمضان ]
وهذا بيِّن، والمراد من إيراده - مع بداهته - التذكير بشيء من صفة صيامه صلى الله عليه وسلم ،
وبيان حاله وهو في أكمل ما يكون عبودية لمولاه ودينونة لأمره، ومن ذلك:
1) إفطاره وسحوره صلى الله عليه وسلم . 2) تعجيله للإفطار حيث كان صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي المغرب،
وتأخيره للسحور حيث كان صلى الله عليه وسلم يتناوله قبل أذان الفجر الثاني بقليل. 3) إفطاره صلى الله عليه وسلم - على رطب أو تمر أو ماء. 4) تواضع إفطاره وسحوره - صلى الله عليه وسلم .
والنصوص الدالة على هذه الأمور عديدة، منها: حديث أنس رضي الله عنه قال:
( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات،
فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء) ،
وحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال:
(كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان فلما غابت الشمس
قال يا فلان انزل فاجدح لنا، قال يا رسول الله إن عليك نهاراً، قال انزل فاجدح لنا،
قال: فنزل فجدح فأتاه به فشرب النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال بيده:
إذا غابت الشمس من ها هنا وجاء الليل من ها هنا فقد أفطر الصائم) ،
وحديث عبد الله بن الحارث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحر، فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه) ،
وحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:
( تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور، قال: قدر خمسين آية) ،
وحديث أنس رضي الله عنه قال:
(قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم وذلك عند السحور يا أنس إني أريد الصيام أطعمني شيئا
فأتيته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعد ما أذن بلال) ،
وحديث أبي عطية قال:
(دخلت أنا ومسروق على عائشة رضي الله عنها فقال لها مسروق: رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ،
كلاهما لا يألو عن الخير، أحدهما يعجل المغرب والإفطار، والآخر يؤخر المغرب والإفطار،
فقالت: من يعجل المغرب والإفطار؟ قال: عبد الله، فقالت: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع) .
والملحوظ من حاله - صلى الله عليه وسلم - حرصه على تعجيل الإفطار وتناول السحور، ولو بأقل القليل،
يدل لذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال:
(ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلى المغرب حتى يفطر، ولو على شربة ماء) ،
وحديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (تسحروا ولو بجرعة من ماء) .
لقد شمخت نفسه صلى الله عليه وسلم وتوحّدت لتحقيق العبودية، والتقرب للباري بأجَلِّ الأعمال بما تهيأ له من الأسباب.
وعندها ندرك أن التكلف الذي نشهده اليوم في إفطار الناس وسحورهم هو أبعد شيء عن هديه صلى الله عليه وسلم ؛
ذلك أنه يوسّع حظ النفس بما يلهي ويثقل عن الطاعة. فحري بالكيس الحازم أن يضبط الأمر ويحُدَّ منه،
دون التذرع بالواهي من الحجج، من تناول الطيب وإكرام الضيف.. بما يفوت خيراً كثيراً.
وليتأس بنبيه - صلى الله عليه وسلم - في ما عرف من أحواله.
5) دعاؤه صلى الله عليه وسلم عند الإفطار، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:
(كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله) .
[ حال السلف في ذلك ]
السلف الصالح هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، أو أهل القرون الثلاثة
الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخير وبالفضل، بقوله صلى الله عليه وسلم: ( خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم أخبر بحال مَن بعدهم أنه يأتي قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه،
ويمينه شهادته، أو أخبر بأنه: يأتي بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون،
ويظهر فيهم السمن ).
فنحن بحاجة إلى أن نقتدي بالسلف الصالح في أعمالهم في كل العام؛ ولكن للشهر هذا مزية وفضيلة، ولهم فيه جد ونشاط.
وبالجملة فإن حال السلف رحمهم الله تعالى في هذا الشهر أنهم يجتهدون فيه غاية الاجتهاد، فيجتهدون في حفظ صيامهم
حتى يقبل صيامهم أن يترتب عليه ما رتب من المغفرة بقوله صلى الله عليه وسلممن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له
ما تقدم من ذنبه ).
ذكر ابن رجب وغيره أن السلف - رحمهم الله - كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان،
ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم. فتمضي السنة كلها وهم مهتمون برمضان.
ولا شك أن ذلك دليل على اهتمامهم بمزية وبفضيلة عرفوها لهذا الشهر الكريم، ولا شك أن الاقتداء بهم في أعمالهم
هو سبب وسبيل إلى النجاح وإلى الفلاح والفوز والظفر والسعادة الأخروية التي ليس بعدها شقاوة، وليس بعدها عناء.
أما هديهم في الصيام فهو أكمل هدي، وذلك لأن الصيام شُرِع لأجل ترويض النفس على ترك المعاصي،
إذا صام الإنسان ترك المباحات من المآكل والمشارب ونحوها، فإذا عود نفسه ترك هذه المباحات التي تندفع إليها
النفس علم بأن ترك المحرمات أولى بالاهتمام. فكان السلف -رحمهم الله- إذا صاموا ولو تطوعا جلسوا في بيوتهم، لماذا؟ يقولون: نخشى أن يتلوث الصيام،
نحب أن نحفظ صيامنا، نحفظه عما يفسده أو عما ينقص أجره، يجلسون في بيوتهم يحفظون صيامهم،
في هذا حرصهم على الصيام ألا يخدشه ولا يبطله شيء، سمعوا الأدلة التي فيها أن الصيام ينقصه
ويخرقه اللغو والرفث، في مثل قوله: ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث
ومثل قوله -صلى الله عليه وسلم:
( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه قول الزور)
يعني: الكلام الكاذب والسيئ، والعمل به يعني: العمل بالزور، والجهل يعني: الكلام الذي لا يصدر إلا عن جاهل.
وكذلك ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الصيام جنة أحدكم من المعاصي كجنته من القتال،
فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يفسق، فإن أحد سابه فليقل: إني امرؤ صائم )
يذكره بأن الصيام يمنعه عن مثل هذا الصخب واللغو والرفث وما أشبه ذلك، فكانوا يحفظون صيامهم،
ولا يضيع عليهم وقتهم في قيل وقال، وفي لهو وسهو وما أشبه ذلك.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاءالله من المجلس النبوي الرمضاني
ومن بعض الجوانب التي تجلي للمسلم شيئا من صفة صومه - صلى الله عليه وسلم -، والتي يظهر
النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلالها حريصا على الإتيان بمستحبات الصوم وآدابه.
6) سواكه - صلى الله عليه وسلم - في حال الصيام، لما رُوِيَ عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال:
( رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم).
7/ صبه - صلى الله عليه وسلم - الماء على رأسه وهو صائم، لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن قال:
(عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بالعرْج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش - أو من الحر -).
8 / مضمضته واستنشاقه - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم من غير مبالغة في الاستنشاق، كما يدل
عليه حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: (... فقلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ
الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما).
9/ سفره - صلى الله عليه وسلم - في رمضان، وصومه - صلى الله عليه وسلم - في حين وفطره في آخر.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك ما جاء عن طاوس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: (سافر رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهاراً ليريه
الناس فأفطر حتى قدم مكة، قال: وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر
وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر).
قال ابن القيم: (ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحدِّ، ولا
صح عنه في ذلك شيء... وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت،
ويخبرون أن ذلك سنته وهديه - صلى الله عليه وسلم -... قال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان
وهو يريد سفراً وقد رُحِّلت له راحلته ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب).
" ومهما نقل عن أئمة الفقه وأهل العلم في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر" فيبقى أن الصوم و الفطر في
السفر، كل ذلك من هديه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ما ينبغي أن يراعيه المتعجلون بالإنكار على المفطرين
أو الصائمين في السفر.. فلكل مأخذه وحجته.
ومن نافلة القول ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما كان محافظا على النوافل والمستحبات فقد كان أشد
محافظة على إتيان الواجبات والابتعاد عن المحرمات، وهو الذي روى عن ربه - عز وجل -: « وما تقرب إلي
عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه » ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: « من لم يدع قول الزور
والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.. » ، وهذا ما يدفع المسلم إلى أن يتأمل في
صيامه، ويعمل على تحسين حاله ليكون أشد تأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأكثر قربا منه.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاءالله من المجلس النبوي الرمضاني